فخر الدين الرازي
100
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أخرى حديدية سابقة عليها ، ولا بد من انتهائها إلى آلة حديدية هي أول هذه الآلات ، فتأمل أنها كيف تكونت على الأشكال المخصوصة ، ثم إذا حصلت تلك الآلات فانظر أنه لا بد من اجتماع العناصر الأربعة ، وهي الأرض والماء والهواء والنار حتى يمكن طبخ الخبز من ذلك الدقيق . فهذا هو النظر فيما تقدم على حصول هذه اللقمة . وأما النظر فيما بعد حصولها : فتأمل في تركيب بدن الحيوان ، وهو أنه تعالى كيف خلق الأبدان حتى يمكنها الانتفاع بتلك اللقمة ، وأنه كيف يتضرر الحيوان بالأكل وفي أي الأعضاء تحدث تلك المضار ، ولا يمكنك أن تعرف القليل من هذه الأشياء إلا بمعرفة علم التشريح وعلم الطب بالكلية ، فظهر بما ذكرنا أن الانتفاع باللقمة الواحدة لا يمكن معرفته إلا بمعرفة جملة الأمور ، والعقول قاصرة عن إدراك ذرة من هذه المباحث ، فظهر بهذا البرهان القاهر صحة قوله تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها ثم إنه تعالى قال : إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ قيل : يظلم النعمة بإغفال شكرها كفار شديد الكفران لها . وقيل : ظلوم في الشدة يشكو ويجزع ، كفار في النعمة يجمع ويمنع ، والمراد من الإنسان هاهنا : الجنس ، يعني أن عادة هذا الجنس هو هذا الذي ذكرناه ، وهاهنا بحثان : البحث الأول : أن الإنسان مجبول على النسيان وعلى الملالة ، فإذا وجد نعمة نسيها في الحال وظلمها بترك شكرها ، وإن لم ينسها فإنه في الحال يملها فيقع في كفران النعمة ، وأيضا أن نعم اللّه كثيرة فمتى حاول التأمل في بعضها غفل عن الباقي . البحث الثاني : أنه تعالى قال في هذا الموضع : إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ وقال في سورة النحل : إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [ النحل : 18 ] ولما تأملت فيه لاحت لي فيه دقيقة كأنه يقول : إذا حصلت النعم / الكثيرة فأنت الذي أخذتها وأنا الذي أعطيتها ، فحصل لك عند أخذها وصفان : وهما كونك ظلوما كفارا ، ولي وصفان عند إعطائها وهما كوني غفورا رحيما ، والمقصود كأنه يقول : إن كنت ظلوما فأنا غفور ، وإن كنت كفارا فأنا رحيم أعلم عجزك وقصورك فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير ولا أجازي جفاء إلا بالوفاء ، ونسأل اللّه حسن العاقبة والرحمة . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 35 إلى 36 ] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ( 35 ) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 36 ) اعلم أنه تعالى لما بين بالدلائل المتقدمة أنه لا معبود إلا اللّه سبحانه وأنه لا يجوز عبادة غيره تعالى البتة حكى عن إبراهيم عليه السلام مبالغته في إنكار عبادة الأوثان . واعلم أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه طلب من اللّه أشياء : أحدها : قوله : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً والمراد : مكة آمنا ذا أمن . فإن قيل : أي فرق بين قوله : اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً [ البقرة : 126 ] وبين قوله : اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً . قلنا : سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها فلا يخافون ، وفي الثاني : أن يزيل عنها الصفة التي كانت حاصلة لها ، وهي الخوف ، ويحصل لها ضد تلك الصفة وهو الأمن كأنه قال هو بلد مخوف فاجعله آمنا ، وقد تقدم تفسيره في سورة البقرة . وثانيها : قوله : وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ وفيه مسائل :